فصل: 214- باب ما جاء أنّهُ يُخْفى التّشَهّد

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


210- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ كيفَ النهوضُ من السّجود

284- حدثنا عليّ ‏(‏بنُ حُجْر‏)‏ أخبرنا هُشَيْمٌ عن خالدٍ الحَذّاءِ عن أبي قِلاَبَةَ عن مالك بن الْحُوَيرِثِ اللّيثيّ‏:‏ ‏"‏أنّهُ رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُصَلي، فكانَ إذَا كَانَ في وِتْر مِن صَلاَتِهِ لم يَنْهَضْ حتّى يَسْتَوِيَ جالساً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ مالكِ بن الْحُوَيْرِثِ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

والعملُ عليه عند بعضِ أهلِ العلمِ‏.‏ وبه يقولُ ‏(‏إسحاق وبعض‏)‏ أصحابِنَا‏.‏ ‏(‏ومالك يكنى ابا سليمان‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا كان في وتر من صلاته‏)‏ أي في الركعة الأولى والثالثة ‏(‏لم ينهض‏)‏ أي لم يقم ‏(‏حتى يستوى جالساً‏)‏ وهذه الجلسة تسمى بجلسة الاستراحة‏:‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وفيه مشروعية جلسة الاستراحة، وأخذ بها الشافعي وطائفة من أهل الحديث وعن أحمد روايتان، وذكر الخلال بن أحمد رجع إلى القول بها، ولم يستحبها الأكثر، انتهى كلامه‏.‏

وأستدل من قال بسنيه جلسة الاستراحة بحديث الباب وهو حديث صحيح وبأحاديث أخرى، فمنها حديث أبي حميد الساعدي أنه قال في عشرة إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا فاعرض، قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه الحديث، وفيه‏:‏ ثم يهوي إلى الأرض ساجداً فيجافي يديه عن جنبيه ويفتح أصابع رجليه ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يسجد، ثم يقول‏:‏ الله أكبر ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم ينهض، ثم يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك إلخ، رواه أبو داود والدارمي، وروى الترمذي وابن ماجه معناه، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، كذا في مشكاة المصابيح‏.‏ ولفظ الترمذي هكذا‏:‏ ثم هوى إلى الأرض ساجداً ثم قال الله أكبر ثم جافى عن إبطيه وفتح أصابع رجليه، ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم ينهض، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك إلخ‏.‏

ومنها حديث ابن عباس في صلاة التسبيح رواه أبو داود وآخرون وفيه‏:‏ ثم تهوى ساجداً فتقولها وأنت ساجداً عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً ثم تسجد فتقولها عشراً ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة‏.‏ تفعل ذلك في أربع ركعات الحديث‏.‏ قال الفاضل اللكفوي في كتابه الآثار المرفوعة بعد كلام طويل في إثبات صلاة الصبح ما لفظه‏:‏ إعلم أن أكثر أصحابنا الحنفية وكثيراً من المشايخ الصوفية قد ذكروا في كيفية صلاة التسبيح الكيفية التي حكاها الترمذي والحاكم عن عبد الله بن المبارك الخالية عن جلسة الاستراحة، والشافعية والمحدثون أكثرهم اختاروا الكيفية المشتملة على جلسة الاستراحة، وقد علم مما أسلفنا أن الأصح ثبوتاً هو هذه الكيفية، فليأخذ بها من يصليها حنفياً كان أو شافعياً انتهى‏.‏ قلت‏:‏ الأمر كما قال‏.‏

تنبيه‏:‏

قد اعتذر الحنفيه وغيرهم ممن لم يقل بجلسة الاستراحة عن العمل بحديث مالك بن الحويرث المذكور في الباب بأعذار كلها باردة، فمنها ما قال صاحب الهداية من الحنفية إنه محمول على حال الكبر ورده صاحب بحر الرائق حيث قال‏:‏ يرد عليه بأن هذا الحمل يحتاج إلى دليل، وقد قال علهي السلام‏:‏ صلوا كما رأيتموني أصلي انتهى‏.‏ وقال الحافظ ابن حجر في الدراية‏:‏ هذا تأويل يحتاج إلى دليل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث لما أراد أن يفارقه‏:‏ صلوا كما رأيتموني أصلي، ولم يفصل له فالحديث حجة في الإقتداء به في ذلك انتهى‏.‏

ومنها ما قال الطحاوي من أن حديث أبي حميد الساعدي خال عنها أي عن جلسة الاستراحة، فإنه ساقه بلفظ‏:‏ قام ولم يتورك، قال‏:‏ فلما تخالفا احتمل أن يكون ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به فقعد لأجلها لا أن ذلك من سنة الصلاة انتهى‏.‏ وفيه أن الأصل عدم العلة، وأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث‏:‏ صلوا كما رأيتموني أصلي، فحكاياته لصفات صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة تحت هذا الأمر، ولم تتفق الروايات عن أبي حميد على نفي هذه الجلسة، بل أخرجه أبو داود من وجه آخر بإثباتها كذا في فتح الباري‏.‏ قلت‏:‏ وكذلك أخرجه الترمذي بإثباتها كما تقدم‏.‏

ومنها أنها لو كانت لشرع لها ذكر مخصوص،‏.‏ وفيه أنها جلسة خفيفة جداً استغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام، فإنها من جملة النهوض إلى القيام‏.‏

ومنها أنها لو كانت سنة لذكرها كل من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم‏:‏ وفيه أن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصفع صلاته صلى الله عليه وسلم إنما أخذ مجموعها من مجموعهم‏.‏

والحاصل أن حديث مالك بن الحويرث حجة قوية لمن قال بسنيه جلسة الاستراحة وهو الحق، والاعذار التي ذكرها الحنفية وغيرهم لا يليق أن يلتفت إليها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث مالك بن الحويرث حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا مسلماً وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل عليه عند بعض أهل العلم‏)‏ وبه قال الشافعي وطائفة من أهل الحديث، وإلى القول بها رجع أحمد كما تقدم‏.‏

تنبيه‏:‏

إعلم أنه قد ثبت أن الإمام أحمد رجع عن القول بترك جلسة الاستراحة إلى القول بها‏.‏ قال ابن قدامة في المغنى‏:‏ واختلفت الرواية عن أحمد هل يجلس للاستراحة، فروى عنه لا يجلس وهو اختيار الخرقى، والرواية الثانية أنه يجلس واختارها الخلال قال الخلال‏:‏ رجع أبو عبد الله إلى هذا يعني ترك قوله بترك الجلوس لما روى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض متفق عليه، وذكره أيضاً أبو حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حديث حسن صحيح فيتعين العمل به والضمير إليه انتهى‏.‏ وكذلك في الشرح الكبير على متن المقنع لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن المقدسي وفيه‏:‏ والثانية أنه يجلس‏.‏ اختارها الخلال، قال الخلال‏:‏ رجع أبو عبد الله عن قوله بترك الجلوس‏.‏ وقال الحافظ بن القيم في زاد المعاد‏:‏ قال الخلال رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة انتهى‏.‏ وكذلك في كثير من كتب الحنابلة وغيرهم‏.‏ ففي رجوع الإمام أحمد عن القول بترك جلسة الاستراحة إلى القول بها لا شك فيه، وقد نقل بعض الحنفية في تعليقاته على الترمذي رجوعه عن الحافظ ابن حجر وعن ابن القيم ثم قال‏:‏ وظني أن أحمد لم يرجع انتهى‏.‏ قلت‏:‏ مبني ظنه هذا ومنشؤوه ليس إلا التقليد، فإنه إذا تمكن في قلب ورسخ فيه ينشأ منه كذلك ظنون فاسدة ‏(‏وبه يقول أصحابنا‏)‏ يعني أصحاب الحديث وقد تقدم في المقدمة أن الترمذي رحمه الله إذا قال‏:‏ أصحابنا، يريد بهم أصحاب الحديث‏.‏

211- باب منه ‏(‏أيضاً‏)‏

285- حدثنا يحيى بنُ موسى حدثنا أبو معاوية، حدثنا خالدُ بنُ إلياسٍ عَنْ صالح مَوْلَى التّوْأَمَةِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال‏:‏ ‏"‏كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَنْهَضُ في الصلاةِ على صُدُورِ قَدَمَيْهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي هريرَةَ عليه العملُ عندَ أهلِ العلمِ‏:‏ يختارونَ أن ينهضَ الرجلُ في الصلاةِ على صُدورِ قدميهِ‏.‏

وخالدُ بنُ إلياسٍ ‏(‏هو‏)‏ ضعيفٌ عند أهلِ الحديثِ‏.‏ ‏(‏قال ويقالُ خالدُ بن إياسَ ايضاً‏)‏‏.‏ وصالح مَولى التّوْأَمَةِ هو صالحُ بنُ أبي صالحٍ‏.‏ وأبو صالح اسمهُ نَبْهانُ ‏(‏وهو‏)‏ مَدَنيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن خالد بن إياس‏)‏ بكسر الهمزة وخفة التحتية ‏(‏ويقال خالد بن إلياس‏)‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ خالد بن إلياس بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة أبو الهيثم العدوي المدني إمام المسجد النبوي متروك الحديث من السابعة‏.‏ وقال الذهبي في الميزان‏:‏ قال البخاري ليس بشيء‏.‏ وقال أحمد والنسائي متروك ‏(‏عن صالح مولى التوأمة‏)‏ بفتح المثناة الواو بعدها همزة مفتوحة، قال الحافظ‏:‏ صدوق اختلط بآخره‏.‏ قال ابن عدي‏:‏ لا بأس به برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج من الرابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ينهض في الصلاة على صدور قدميه‏)‏ أي بدون الجلوس‏.‏ والحديث قد استدل به من لم يقل بسنية جلسة الاستراحة، لكن الحديث ضعيف لا يقوم بمثله الحجة، فإن في سنده خالد بن إياس وهو متروك كما عرفت، وأيضاً فيه صالح مولى التوأمة وكان قد اختلط بآخره كما عرفت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه‏)‏ لو قال الترمذي‏:‏ عليه العمل عند بعض أهل العلم أو عند أكثر أهل العلم لكان أولى، فإنه قد قال في الباب المتقدم بعد رواية حديث مالك بن الحويرث والعمل عليه عند بعض أهل العلم وبه يقول أصحابنا‏.‏

واستدل من اختار النهوض في الصلاة على صدور القدمين بحديث الباب، وقد عرفت أنه حديث ضعيف لا يصلح للاستدلال، واستدلوا بأحاديث أخرى وآثار، فعلينا أن نذكرها مع الكلام عليها‏.‏

فمنها‏:‏ حديث عكرمة قال‏:‏ صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة فقلت لابن عباس‏:‏ إنه أحمق، فقال‏:‏ ثكلتك أمك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري‏.‏ قيل يستفاد منه ترك الجلسة الاستراحة وإلا لكانت التكبيرات أربعاً وعشرين مرة لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلما كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود‏.‏

وأجيب عنه بأن جلسة الاستراحة جلسة خفيفة جداً ولذلك لم يشرع فيها ذكر، فهي ليست بجلسة مستقلة بل هي من جملة النهوض إلى القيام، فكيف يستفاد من هذا الحديث ترك جلسة الاستراحة، ولو سلم فدلالته على الترك ليس إلا بالإشارة، وحديث مالك بن الحويرث يدل على ثبوتها بالعبارة‏.‏ ومن المعلوم أن العبارة مقدمة على الأشارة‏.‏

ومنها‏:‏ حديث أبي مالك الأشعري أنه جمع قومه فقال‏:‏ يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، وفيه‏:‏ ثم كبر وخر ساجداً ثم كبر فرفع رأسه ثم كبر فانتهض قائماً رواه أحمد‏.‏ قيل‏:‏ قوله ثم كبر فسجد ثم كبر فانتهض قائماً، يدل على نفي جلسة الاستراحة‏.‏

وأجيب عنه بأن في إسناده شهر بن حوشب، قال الحافظ في التقريب‏:‏ كثير الإرسال والأوهام انتهى‏.‏ ثم هذا الحديث ليس بصريح ينفي جلسة الاستراحة ولو سلم فهو إنما يدل على نفي وجوبها لا على نفي سنيتها ثم حديث مالك بن الحويرث أقوى وأصح وأثبت من هذا الحديث‏.‏

ومنها‏:‏ حديث أبي حميد الساعدي وفيه‏:‏ ثم كبر فسجد ثم كبر فقام ولم يتورك رواه أبو داود‏.‏ وأجيب عنه بأن أبا داود رواه بإسناد آخر صحيح‏.‏ والترمذي بإثبات جلسة الاستراحة، وقال الترمذي حسن صحيح، وقد تقدم لفظهما، والمثبت مقدم على النافي‏.‏

وأما الآثار فمنها أثر النعمان بن أبي عياش قال‏:‏ أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس، رواه أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ والجواب عنه‏:‏ أن في إسناده محمد بن عجلان وهو مدلس ورواه عن النعمان بن عياش بالعنعنة‏:‏ على أن محمد بن عجلان سيء الحفظ وقد تفرد هو به، وروى عنه أبو خالد الأحمر وهو أيضاً سيئ الحفظ‏.‏

ومنها أثر ابن مسعود رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن الكبرى عن عبد الرحمن بن يزيد قال‏:‏ رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة فرأيته ينهض ولا يجلس، قال ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة‏.‏

والجواب عنه أن البيهقي قال في السنن الكبرى بعد ذكر هذا الأثر‏:‏ وهو عن ابن مسعود صحيح ومتابعة السنة أولى انتهى‏.‏ كذا في الجوهر النقي ص147 ج1‏.‏ قلت‏:‏ وترك ابن مسعود رضي الله عنه جلسة الاستراحة إنما يدل على عدم وجوبها لا على نفي سنيتها‏.‏ ومنها ما أخرج البيهقي عن عطية العوفي قال‏:‏ رأيت ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبا سعيد الخدري يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة‏.‏

والجواب أن البيهقي قال بعد إخراج هذا الأثر‏:‏ وعطية لا يحتج به انتهى‏.‏ وقال الذهبي في الميزان‏:‏ عيطة بن سعد العوفي الكوفي تابعي شهير ضعيف انتهى‏.‏

212- باب ما جَاء في التّشهّد

286- حدثنا يعقوبُ بن إبراهيم الدّوْرَقِيّ، حدثنا عُبَيْدُ الله الأشْجَعِيّ عن سفيانَ الثوْرِيّ عن أبي إسحاقَ عن الأسْوَدِ بن يزيدَ عن عبد الله بن مسعودٍ قال‏:‏ ‏"‏علّمنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قَعَدْنَا في الركْعَتَيْنِ أن نقولَ‏:‏ التّحِيّاتُ لله، والصّلَوَاتُ والطّيّبَاتُ، السّلاَمُ عليكَ أيّهَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم ورحمةُ الله وبركاته، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصّالِحينَ، أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلا الله، وأشْهَدُ أنّ محمداً عبدُه ورسولُهُ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي الباب عن ابنِ عُمَرَ وجابرٍ وأبي موسى وعائشةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ مسعودٍ قد رُوِيَ عنهُ مِن غيرِ وجْهٍ وهو أصحّ حديثٍ ‏(‏روي‏)‏ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في التشهدِ‏.‏

والعملُ عليه عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم ومَنْ بعدهم من التابعينَ‏.‏

وهو قولُ سفيانَ الثوريّ وابنِ المباركِ وأحمدَ وإسحاقَ‏.‏

حدثنا أحمد بن محمد بن موسى أخبرنا عبدالله بن المبارك عن معمر عن هصيف قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت يا رسول الله ان الناس قد اختلفوا في التشهد فقال‏:‏ عليك بتشهد ابن مسعود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏التحيات‏)‏ جمع تحية ومعناها السلام، وقيل البقاء، وقيل العظمة، وقيل السلامة من الاَفات والنقص، وقيل الملك‏.‏ قال المحب الطبري يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركاً بين هذه المعاني‏.‏ وقال الخطابي والبغوي‏:‏ المراد بالتحيات لله أنواع التعظيم له ‏(‏والصلوات‏)‏ قيل المراد الخمس أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل العبادات كلها، وقيل المراد الرحمة، وقيل التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادة الفعلية، والطيبات الصدقات المالية ‏(‏والطيبات‏)‏ أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله تعالى دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل الطيبات ذكر الله، وقيل الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل الأعمال الصالحة وهو أعم‏.‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ إذا حملت التحية على السلام فيكون التقدير التحيات التي تعظم بها الملوك مستمرة لله تعالى، وإذا حمل على البقاء فلا شك في اختصاص الله به وكذلك الملك الحقيقي والعظمة التامة، وإذا حملت الصلاة على العهد أو الجنس كان التقدير أنها لله واجبة لا يجوز أن يقصد بها غيره، وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله لله أنه المتفضل بها لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء فظاهر، وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى فتشمل الأفعال والأقوال والأوصاف، وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشوائب ‏(‏السلام عليك أيها النبي‏)‏ فإن قيل‏:‏ كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهياً عنه في الصلاة‏.‏ فالجواب أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم‏.‏ فإن قيل‏:‏ ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله عليك أيها النبي مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق كأن يقول السلام على النبي فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي ثم إلى تحية النفس ثم إلى تحية الصالحين أجاب الطيبي بما محصله‏:‏ نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه الصحابة‏.‏ قاله الحافظ في الفتح قال‏:‏ وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه صلى الله عليه وسلم فيقال بلفظ الخطاب وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة ففي الاستيذان من صحيح البخاري من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال وهو بين أظهرنا فلما قبض قلنا السلام يعني على النبي كذا وقع في البخاري وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسارج والجوزقي وأبو نعيم الأصبحاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ فلما قبض قلنا السلام على النبي بحذف لفظ يعني وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم قال وقد وجدت له متابعاً قوياً قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي صلى الله عليه وسلم حي السلام عليك أيها النبي فلما مات قالوا السلام على النبي وهذا إسناد صحيح انتهى ‏(‏ورحمة الله‏)‏ أي إحسانه ‏(‏وبركاته‏)‏ أي زيادته من كل خير ‏(‏السلام علينا‏)‏ استدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي الترمذي مصححاً عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه، وأصله ومنه قول نوح وإبراهيم عليها السلام كما في التنزيل ‏(‏وعلى عباد الله الصالحين‏)‏ الأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده وتتفاوت درجاته‏.‏ قال الحكيم الترمذي من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبداً صالحاً والإحرام هذا الفضل العظيم كذا في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر وجابر وأبي موسى وعائشة أما حديث ابن عمر فأخرجه أبو داود والدارقطني‏)‏‏.‏ والطبراني، وأما حديث جابر فأخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم ورجاله ثقات كذا في النيل، وأما حديث أبي موسى فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وأما حديث عائشة فأخرجه الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي ورجح الدارقطني وقفه قاله في النيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن مسعود قد روى عنه من غير وجه هو أصح حديث الخ‏)‏ قال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد قال‏:‏ هو عندي حديث ابن مسعود وروى من نيف وعشرين طريقاً ثم سرد أكثرها وقال لا أعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالاً ذكره الحافظ وقال‏:‏ لا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره وأن الرواة عنه الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره‏.‏ وأنه تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقينا، ففي رواية للطحاوي‏:‏ أخذت التشهد من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقنيه كلمة كلمة ثم ذكر الحافظ وجوهاً أخر لرجحانه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق‏)‏ وهو قول أبي حنيفة واختار مالك وأصحابه تشهد عمر لكونه علمه للناس وهو على المنبر ولم ينكروه فيكون إجماعاً ولفظه نحو حديث ابن عباس إلا أنه قال الزاكيات بدل المباركات وكأنه بالمعنى واختار الشافعي تشهد ابن عباس وقال بعد أن أخرج حديث ابن عباس‏:‏ رويت أحاديث في التشهد مختلفة وكان هذا أحب إلى أنه أكملها، وقال في موضع آخر‏:‏ وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس لما رأيته واسعاً وسمعته عن ابن عباس صحيحاً كان عندي أجمع وأكثر لفظاً من غيره وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح، ذكره الحافظ وقال ثم إن هذا الاختلاف إنما هو الأفضل وكلام الشافعي المتقدم على ذلك انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لا شك في أن حديث ابن مسعود أرجح من جميع الأحاديث المروية في التشهد فالأخذ به هو الأولى والله تعالى أعلم‏.‏

213- باب منه ‏(‏أيضاً‏)‏

287- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ عن أبي الزّبَيْرِ عن سعيد بن جُبَيْرٍ وطاوُسٍ عن ابنِ عباسٍ قال‏:‏ ‏"‏كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعَلّمُنَا التّشَهُدَ كما يُعَلّمُنَا القُرْآنَ، فكانَ يقولُ‏:‏ التّحِيّاتُ المُبَارَكَاتُ الصّلَوَاتُ الطّيّبَاتُ لله، سَلاَمٌ عليكَ أيّهَا النّبيّ ورحَمةُ الله وبركاتُهُ، سَلاَمٌ علينا وعلى عبادِ الله الصّالحِينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاّ الله، وأشْهَدُ أنّ محمداً رسولُ الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابن عباس حديثٌ حسَنٌ ‏(‏غريب‏)‏ صحيحٌ‏.‏

وقد روى عبدُ الرحمَنِ بنُ حُمَيْدٍ الرّؤاسِيّ هذا الحديثَ عن أبي الزّبَيْرِ نَحْوَ حديثِ اللّيْثِ بن سعدِ‏.‏

وَرَوَى أيْمَنُ بنُ نَابِلٍ المَكّيّ هذا الحديثَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جابرٍ، وهو غيرُ مَحْفوظٍ‏.‏

وذهب الشافعيّ إلى حديثِ ابن عباسٍ في التشهدِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله‏)‏ المباركات جمع مباركة معناها كثيرة الخير، وقيل النماء‏.‏ قال النووي‏:‏ تقديره والمباركات والصلوات والطيبات كما في حديث ابن مسعود وغيره ولكن حذفت الواو اختصاراً وهو جائز معروف في اللغة ‏(‏سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا‏)‏ كذا وقع في هذا الكتاب سلام عليك وسلام علينا بغير الألف واللام، والحديث رواه مسلم في صحيحه السلام عليك السلام علينا بالألف واللام قال‏:‏ النووي‏:‏ يجوز فيه وفيما بعدها حذف اللام وإثباتها والإثبات أفضل وهو الموجود في روايات الصحيحين‏.‏ قال الحافظ في الفتح لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس وهو من أفراد مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الرؤاسي‏)‏ بضم راء فهمزة وسين مهملة منسوب إلى رؤاس بن كلاب كذا في المغنى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروى أيمن بن نابل‏)‏ بنون وموحدة ‏(‏عن أبي الزبير عن جابر‏)‏ وأما الليث وعبد الرحمن بن حميد فرويا عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاووس عن ابن عباس ‏(‏وهو غير محفوظ‏)‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ أيمن بن نابل رواية عن أبي الزبير أخطأ في إسناده وخالفه الليث وهو من أوثق الناس في أبي الزبير فقال عن أبي الزبير عن طاووس وسعيد بن جبير عن ابن عباس‏:‏ قال حمزة الكناني‏:‏ قوله عن جابر خطأ ولا أعلم أحداً قال في التشهد بسم الله وبالله إلا أيمن‏.‏ وقال الدارقطني‏:‏ ليس بالقوي خالف الناس ولو لم يكن إلا حديث التشهد‏.‏ وقال الترمذي سألت البخاري عنه فقال خطأ وقال النسائي لانعلم أحداً تابعه وهو لا بأس به لكن الحديث خطأ انتهى باختصار‏.‏

214- باب ما جاء أنّهُ يُخْفى التّشَهّد

288- حدثنا أبو سعيد الأشَجّ حدثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ عن محمد بن إسحاقَ عن عبدِ الرحمَنِ بن الأسْوَدِ عن أبيهِ عن عبدالله بن مسعودٍ قال‏:‏ ‏"‏من السّنّةِ أن يُخْفِيَ التشَهّدَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ مسعودٍ حديثٌ حسَنٌ غريبٌ‏.‏ والعملُ عليه عندَ أهلِ العلمِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يونس بن بكير‏)‏ بن واصل الشيباني أبو بكر الجمال الكوفي صدوق يخطيء قاله الحافظ، وقال الخزرجي قال ابن معين ثقة وضعفه النسائي، وقال أبو داود ليس بحجة يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله، روى له مسلم متابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من السنة‏)‏ قال الطيبي‏:‏ إذا قال الصحابي من السنة كذا فهو في الحكم كقوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا مذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء وجعل بعضهم موقوفاً وليس بشيء انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح‏)‏ والحديث رواه أبو داود والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم‏.‏ قلت‏:‏ في سنده يونس بن بكير وقد عرفت حاله، وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس‏.‏

215- باب ما جاء كيف الجلوس في التّشَهد

289- حدثنا أبو كُرَيْبٍ، حدثنا عبدُ الله بن إدريسَ حدثنا عاصم بن كُلَيْبٍ ‏(‏الجرميّ‏)‏ عن أبيهِ عن وائِل بن حُجْرٍ قال‏:‏ ‏"‏قَدِمْتُ المدِينَة، قلت‏:‏ لأنْظُرَنّ إلى صَلاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلما جلس- يَعْني- للتشَهد افْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، ووضع يَدَهُ اليُسْرَى- يَعْني على فَخِذِهِ اليُسْرَى، ونَصَبَ رِجلَه اليُمْنَى‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

والعمل عليه عندَ أكثر أهل العلمِ‏.‏

وهو قولُ سفيانَ الثوريّ وأهل الكوفة وابن المبارك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا عبد الله بن إدريس‏)‏ بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي أبو محمد الكوفي ثقة فقيه عابد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏افترش رجله اليسرى‏)‏ وفي رواته الطحاوي وسعيد بن منصور‏:‏ فرش قدمه اليسرى على الأرض وجلس عليها‏.‏ والحديث قد احتج به القائلون باستحباب الإفتراش في التشهدين، وأجيب بأن هذا الحديث مطلق وحديث أبي حميد الاَتي مقيد فيحمل المطلق على المقيد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة‏)‏ قال النووي‏:‏ اختلف العلماء في أن الأفضل في الجلوس في التشهدين التورك أم الافتراش، فمذهب مالك وطائفة تفضيل التورك فيهما، ومذهب أبي حنيفة وطائفة تفضيل الافتراش فيهما، ومذهب الشافعي وطائفة يفترش في الأول ويتورك في الأخير الحديث أبي حميد الساعدي ورفقته في صحيح البخاري وهو صريح في الفرق بين التشهدين‏.‏ قال الشافعي والأحاديث الواردة بتورك أو افتراش مطلقة لم يبين فيها أنه في التشهدين أو في أحدهما، وقد بينه أبو حميد ورفقته ووصفوا الإفتراش في الأول والتورك في الأخير وهذا مبين، فوجب حمل ذلك المجمل عليه والله أعلم، انتهى كلام النووي‏.‏

وقال الحافظ في الفتح‏:‏ فيه قول أحمد، والمشهور عنه اختصاص التورك بالصلاة التي فيها التشهدان انتهى‏.‏

قلت‏:‏ استدل لما ذهب إليه مالك ومن معه بما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ثم قال أراني هذا عبيد الله بن عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك‏.‏

والجواب‏:‏ أن هذا معارض بما رواه النسائي من طريق عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد أن القاسم حدثه عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال‏:‏ من سنة الصلاة أن ينصب اليمنى ويجلس على اليسرى، فيحمل ما رواه مالك على التشهد الأخير وما رواه النسائي على التشهد الأول دفعاً للتعارض‏.‏

واستدل للشافعي ومن معه بحديث أبي حميد الساعدي قال‏:‏ أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى فإذا جلس في الركعة الاَخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته رواه البخاري‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ في رواية عبد الحميد حتى إذا كانت السجدة التي يكون فيها التسليم، وفي رواية عند ابن حبان التي تكون خاتمة الصلاة أخرج رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر قال‏:‏ وفي هذا الحديث حجة قوية للشافعي ومن قال بقوله في أن هيئة الجلوس في التشهد الأول مغايرة‏.‏ لهيئة الجلوس في الأخير‏.‏ وقد قيل في حكمة المغايرة بينهما إنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثاني، ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به واستدل به الشافعي أيضاً على أن تشهد الصبح كالتشهد الأخير من غيره لعموم قوله في الركعة الأخيرة انتهى كلام الحائط‏.‏

واستدل لما ذهب إليه أبو حنيفة ومن معه من تفضيل الإفتراش في التشهدين بحديث وائل بن حجر المذكور في هذا الباب‏.‏

والجواب‏:‏ أنه محمول على التشهد الأول بحديث أبي حميد الساعدي المذكور لما رواه النسائي في باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول عن وائل بن حجر قال‏:‏ أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة الحديث، وفيه وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى إلخ وبحديث عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة الحديث وفيه‏:‏ وكان يقول في كل ركعتين التحيات وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وكان ينهى عن عقبة الشيطان رواه مسلم‏.‏

والجواب‏:‏ أن هذا الحديث محمول على التشهد الأول جمعاً بين الأحاديث‏.‏ وأما قول ابن التركماني بأن اطلاقه يدل على أن ذلك كان في التشهدين بل هو في قوة قولها‏:‏ وكان يفعل ذلك في التشهدين إذ قولها أولاً‏:‏ وكان يقول في كل ركعتين التحيات يدل على هذا التقرير ففيه وإن اطلاقه وإن كان يدل على ما قال لكن حمله على التشهد الأول متعين جمعاً بين الأحاديث‏.‏

على أن حديث أبي حميد الساعدي المذكور نص صريح في ثبوت التورك في التشهد الثاني، وحديث عائشة ليس بنص في نفيه بل غاية ما يقال إنه يدل بظاهره على نفي التورك، وقد تقرر في مقره أن النص يقدم على الظاهر عند التعارض، وبحديث ابن عمر قال‏:‏ من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعه القبلة والجلوس على اليسرى رواه النسائي‏.‏

قلت‏:‏ تقدم الجواب عن هذا الحديث آنفاً فتذكر‏.‏

والحاصل‏:‏ أنه ليس نص صريح فيما ذهب إليه مالك ومن معه ولا فيما ذهب إليه أبو حنيفة ومن معه وأما ما ذهب إليه الشافعي ومن معه ففيه نص صريح فهو المذهب الراجح‏:‏ تنبيه‏:‏ اعلم أن صاحب الهداية من الحنفية أجاب عن حديث أبي حميد، الساعدي بأنه ضعفه الطحاوي أو يحمل على الكبر‏.‏

قلت‏:‏ جوابه هذا ليس مما يصغي إليه‏.‏ قال الحافظ في الدراية‏:‏ قوله والحديث يعني حديث أبي حميد ضعفه الطحاوي أو يحمل على حالة الكبر، أما تضعيف الطحاوي فمذكور في شرحه بمالا يلتفت إليه، وأما الحمل فلا يصح لأن أبا حميد وصف صلاته التي واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافقه عشرة من الصحابة ولم يخصوا ذلك بحال الكبر، والعبرة بعموم اللفظ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ صلوا كما رأيتموني أصلي انتهى كلام الحافظ‏:‏ وقد أنصف صاحب التعليق الممجد من الحنفية حيث قال في تلعيقه على موطأ محمد المسمى بالتعليق الممجد‏:‏ وحمل أصحابنا هذا يعني أبي حميد الساعدي على العذر وعلى بيان الجواز وهو حمل يحتاج إلى دليل، وما الطحاوي إلى تضعيفه، وتعقبه البيهقي وغيره في ذلك بما لا مزيد عليه‏.‏ وذكر قاسم بن قطلوبغا في رسالته الأسوس في كيفية الجلوس‏:‏ في إثبات مذهب الحنفية أحاديث كحديث عائشة‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، وحديث وائل‏:‏ صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قعد وتشهد فرش رجله اليسرى أخرجه سعيد بن منصور، وحديث المسيء صلاته أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فإذا جلست فاجلس على فخذك اليسرى أخرجه أحمد وأبو داود، وحديث ابن عمر‏:‏ من سنة الصلاة إلخ‏.‏ ولا يخفى على الفطن أن هذه الأخبار وأمثالها لا تدل على مذهبنا صريحاً بل يحتمله وغيره، وما كان منها دالاً صريحاً لا يدل على كونه في جميع القعدات على ما هو المدعي، والإنصاف أنه لم يوجد حديث يدل صريحاً على استنان الجلوس على الرجل اليسرى في القعدة الأخيرة، وحديث أبي حميد مفصل فليحمل المبهم على المفصل انتهى‏.‏

216- باب منه ‏(‏أيضاً‏)‏

290- حدثنا بُنْدَارٌ محمد بن بشار حدثنا أبو عامرٍ العَقَدِيّ حدثنا فُلَيْحُ بن سليمانَ المدنيّ حدثني عباسُ بن سهلٍ السّاعِديّ قال‏:‏ ‏"‏اجتَمَعَ أبو حُمَيْدٍ وأبو أُسَيْدٍ وسهلُ ابن سعدٍ ومحمدُ بنِ مَسْلَمَةَ، فذَكرُوا صلاةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالَ أبو حُمَيْدٍ‏:‏ أنا أعْلَمُكُم بِصلاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جَلَسَ- يَعْني للتشهد- فافترشَ رجلَه اليُسرَى، وأقْبَلَ بصَدْر اليُمْنَى على قِبْلَتِهِ، ووضَعَ كفّهُ اليُمْنَى على رُكبتِه اليُمْنَى، وكَفّهُ اليُسْرَى على رُكبتِه اليُسْرَى، وأشَارَ بِأُصْبَعِهِ، يَعنِي السّبّابَةَ‏"‏‏.‏

قال ‏(‏أبو عيسى‏)‏‏:‏ وهذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

وبه يقولُ بعضُ أهلِ العلمِ‏.‏

وهو قولُ الشافعيّ وأحمدَ وإسحَاقَ، قالوا‏:‏ يَقْعُدُ في التشهد الاَخر على وَركِهِ واحتجوا بحديث أبي حُمَيْدٍ، وقالوا‏:‏ يَقْعدُ في التشهدِ الأوّلِ عَلَى رِجلهِ اليُسْرَى وينصِبُ اليُمْنَى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا فليح بن سليمان‏)‏ بن أبي المغيرة المدني ويقال فليح لقب واسمه عبد الملك صدوق كثير الخطأ ‏(‏أخبرنا عباس بن سهل الساعدي‏)‏ ثقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته‏)‏ هذه الجلسة هي جلسة التشهد الأول بديل حديث أبي حميد الذي رواه البخاري فإنه وصف فيه هيئة الجلوس الأول بهذه الصفة، ثم وصف بعدها هيئة الجلوس الاَخر فذكر التورك، وقد تقدم لفظه‏.‏ ورواه الترمذي في هذا الباب مختصراً ورواه في باب وصف الصلاة مطولاً وفي آخره‏.‏ حتى كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته، أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركاً ثم سلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا مسلماً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق قالوا‏:‏ يقعد في التشهد الاَخر على وركه‏)‏ قال في القاموس‏:‏ الورك بالفتح والكسر وككيف ما فوق الفخذ مؤنثة ج أوراك وورك يرك وركا وتورك وتوارك اعتمد على وركه انتهى‏.‏ وقد تقدم أن المشهور عن أحمد اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان ‏(‏واحتجوا بحديث أبي حميد‏)‏ أي بحديثه المطول الاَتي في باب وصف الصلاة وهو احتجاج قوي لمن قال بسنية التورك في الجلسة الأخيرة وهو القول الراجح وأما قول من قال الحنفية كصاحب الهداية إنه ضعيف أو إنه محمول على حالة الكبر أو على حالة الكبر أو على حالة العذر فهو مما لا يلتفت إليه كما عرفت في الباب المتقدم‏.‏

217- باب ما جاءَ في الإشارةِ ‏(‏في التشهد‏)‏

291- حدثنا محمودُ بن غَيلاَنَ ويحيى بن موسى وغير واحد قالوا حدثنا عبدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عمرَ عن نافعٍ عن ابن عمرَ‏:‏ ‏"‏أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا جلسَ في الصلاةِ وضعَ يَدَهُ اليمنى على ركبتهِ ورفعَ أُصْبَعَهُ التي تلي الإبهامَ ‏(‏اليمنى‏)‏ يَدْعُو بِهَا، ويدُه اليسرَى على ركبتهِ باسِطها عليه‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن عَبْدِ الله بن الزّبَيْرِ وَنُمَيْر الخُزَاعِيّ وأبي هُرَيرَةَ وأبي حُمَيْدٍ ووائِل بن حُجْرٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابن عُمَرَ حديثٌ حسَنٌ غريبٌ، لا نعرِفهُ مِنْ حديثِ عُبَيدِ الله بن عمرَ إلا مِن هذا الوجهِ‏.‏

والعملُ عليه عندَ بعضِ أهلِ العلمِ مِن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ‏:‏ يختارُونَ الإشارةَ في التشهدِ‏.‏ وهو قولُ أصحابِنا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته ورفع إصبعه‏)‏ ظاهره أن رفع الإصبع كان في ابتداء الجلوس ‏(‏التي تلي الإبهام‏)‏ وهي المسبحة ‏(‏يدعو بها‏)‏ أي يشير بها ‏(‏باسطها عليه‏)‏ بالنصب أي حال كونه باسطايده على ركبته اليسرى من غير رفع إصبع، وفي رواية مسلم باسطها عليها وهو الظاهر‏.‏

واعلم أنه قد ورد في وضع اليد اليمنى على الفخذ حال التشهد هيئات هذه إحداها وليس في هذا الحديث ذكر قبض الأصابع وكذلك أخرج مسلم من حديث ابن الزبير وكذلك أخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض، والظاهر أن تحمل هذه الأحاديث على الأحاديث التي فيها ذكر القبض‏.‏

والثانية‏:‏ أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى ويرسل المسبحة ويضم الإبهام إلى أصل المسبحة هو عقد ثلاثة وخمسين كما أخرج مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى وعقد ثلاثاً وخمسين وأشار بالسبابة قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث‏:‏ وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة انتهى‏.‏

والثالثة‏:‏ أن يعقد الخنصر والبنصر ويرسل السبابة ويحلق الإبهام والوسطى كما أخرج أبو داود والنسائي من حديث وائل بن حجر في وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه‏:‏ ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحد مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن على فخذه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة وأشار بالسبابة‏.‏

والرابعة‏:‏ قبض الأصابع كلها والإشارة بالسبابة ما روي مسلم من حديث ابن عمر مرفوعاً كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام‏.‏ قال الزيلعي‏:‏ الأخبار وردت بها جميعاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع مرة هكذا مرة هكذا‏.‏ وقال محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام‏:‏ الظاهر أنه مخير بين هذه الهيئات انتهى‏.‏ فجعل الحافظ ابن القيم في زاد المعاد هذه الروايات كلها واحدة وتكلف في بيان توحيدها‏.‏ والحق ما قال الرافعي ومحمد بن إسماعيل الأمير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عمر حديث حسن غريب الخ‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين يختارون الإشارة في التشهد هو قول أصحابنا‏)‏ المراد بقوله أصحابنا أهل الحديث رحمهم الله تعالى كما حققناه في المقدمة، وكان الترمذي أن يقول‏:‏ والعمل عليه عند أهل العلم أو عند عامة أهل العلم، فإنه لا يعرف في هذا خلاف السلف‏.‏ قال محمد في موطأه بعد ذكر حديث ابن عمر في الإشارة‏:‏ وبصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ‏.‏ وهو قول أبي حنيفة انتهى‏.‏ قال علي القاري‏:‏ وكذا قول مالك والشافعي وأحمد ولا يعرف في المسألة خلاف السلف من العلماء وإنما خالف فيها بعض الخلف في مذهبنا من الفقهاء انتهى‏.‏ وقال صاحب التعليق الممجد من العلماء الحنفية، أصحابنا الثلاثة يعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً اتفقوا على تجويز الإشارة لثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بروايات متعددة وقد قال به غير واحد من العلماء حتى قال ابن عبد البر إنه لا خلاف في ذلك، وإلى الله المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا من أصحاب الفتاوى كصاحب الخلاصة وغيره حيث ذكروا أن المختار عدم الأشارة بل ذكر بعضهم أنها مكروهة، فالحذر الحذر من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة انتهى‏.‏

تنبيه‏:‏

قال النووي‏:‏ في شرح مسلم‏:‏ قال أصحابنا‏:‏ يشير عند قوله‏:‏ إلا الله من الشهادة انتهى‏.‏ وقال صاحب سبل السلام‏:‏ موضع الإشارة عند قوله‏:‏ لا إله إلا الله، لما رواه البيهقي من فعل النبي صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏ وقال الطيبي في شرح قوله وأشار بالسبابة في حديث ابن عمر أي رفعها عند قوله إلا الله ليطابق القول الفعل على التوحيد انتهى‏.‏ وقال علي القاري في المرقاة بعد ذكر قول الطيبي هذا‏:‏ وعندنا يعني الحنفية يرفعها عند لا إله ويضعها عند إلا الله لمناسبة الرفع للنفي وملاءمة الوضع للإثبات ومطابقة بين القول والفعل حقيقة انتهى‏.‏

قلت‏:‏ ظاهر الأحاديث يدل على الإشارة من ابتداء الجلوس ولم أر حديثاً صحيحاً يدل على ما قال الشافعية والحنفية‏.‏ وأما ما رواه البيهقي من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فلم أقف عليه ولم يذكر صاحب السبل سنده ولا لفظه فالله تعالى أعلم كيف حاله‏.‏

تنبيه آخر‏:‏ قد جاء في تحريك السبابة حين الإشارة حديثان مختلفان، فروى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها‏.‏ قال النووي إسناده صحيح‏.‏ فهذا الحديث يدل صراحة على عدم التحريك وهو قول أبي حنيفة‏.‏ وحديث وائل بن حجر يدل على التحريك وهو مذهب مالك‏.‏ قال البيهقي‏:‏ يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى يعارض حديث ابن الزبير عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه بلفظ‏:‏ كان يشير بالسبابة ولا يحركها ولا يجاوز بصره إشارته‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي، رواية أبي داود لحديث وائل فإنها بلفظ‏:‏ وأشار بالسبابة انتهى‏.‏

فائدة‏:‏

السنة أن لا يجاوز بصره إشارته كما في حديث ابن الزبير المذكور آنفاً ويشير بها موجهة إلى القبلة وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص‏.‏ وقال ابن رسلان‏:‏ والحكمة في الإشارة بها أن المعبود سبحانه وتعالى واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد‏.‏

218- باب ما جاء في التّسليمِ في الصلاة

292- حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيَ، حدثنا سُفيانُ عن أبي إسحاقَ عن أبي الأحْوَصِ عن عبدِ الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنّهُ كانَ يُسَلّم عن يمينِهِ وعن يسَارِهِ‏:‏ السلامُ عليكُمْ ورحمة الله، السلامُ عليكم ورحمةُ الله‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن سعدِ ‏(‏بنِ أبي وقّاصٍ‏)‏ وابنِ عمرَ وجابرِ بن سَمُرَةَ والبَرَاءِ ‏(‏وابن سعيد‏)‏ وَعمّارٍ ووائِلِ ‏(‏بنِ حُجْرٍ‏)‏ و ‏(‏عَدِيّ بن عَمِيرَةَ‏)‏ وجابرِ بن عبدِ الله‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنُ مسعودٍ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

والعملُ عليه عند أكثرِ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومَن بعدهم‏.‏

وهو قولُ سفيانَ الثّوْرِيّ وابنِ المباركِ وأحمدَ وإسحاقَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله‏)‏ هو ابن مسعود رضي الله عنه ‏(‏كان يسلم عن يمينه‏)‏ قال الطيبي‏:‏ أي مجاوزاً نظره عن يمينه كما يسلم أحد على من في يمينه ‏(‏وعن يساره‏)‏ فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار، وزاد أبو داود حتى يرى بياض خده‏.‏ وفيه دليل على مبالغة في الإلتفات إلى جهة اليمين وإلى جهة اليسار ‏(‏السلام عليكم الخ‏)‏ إما حال مؤكدة أي يسلم قائلاً السلام عليكم أو جملة استئنافية على تقدير ماذا كان يقول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وجابر بن سمرة والبراء وعمار ووائل بن حجر وعدي بن عميرة وجابر بن عبد الله‏)‏ أما حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه مسلم بلفظ قال‏:‏ كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده‏.‏ وأما حديث ابن عمر فأخرجه البيهقي مرفوعاً بلفظ‏:‏ كان يسلم عن يمينه وعن يساره‏.‏ وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم‏.‏ وأما حديث البراء فأخرجه الدارقطني في سننه بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين، وفيه حريث بن أبي عطر تكلم فيه البخاري وغيره‏.‏ وأما حديث عمار فأخرجه الدارقطني وابن ماجه‏.‏ وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه أبو داود قال‏:‏ صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله‏.‏ قال النووي‏:‏ في الخلاصة‏:‏ إسناده صحيح‏.‏ وأما حديث عدي بن عميرة فأخرجه ابن ماجه‏.‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ إسناده حسن‏.‏ وأما حديث جابر بن عبد الله فلينظر من أخرجه‏.‏ وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في التلخيص والزيلعي في نصب الراية من شاء الوقوف عليها فليرجع إليهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح‏)‏ قال في التلخيص‏:‏ أخرجه الأربعة والدارقطني وابن حبان وله ألفاظ وأصله في صحيح مسلم من طريق أبي معمر أن أميراً كان بمكة يسلم تسليمتين فقال عبد الله يعني ابن مسعود أني علقها، من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله‏.‏ وقال العقيلي‏:‏ والأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين ولا يصح في تسلمية واحدة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل عليه‏)‏ أي على ما يدل عليه حديث ابن مسعود من أن المسنون في الصلاة تلسيمتان ‏(‏عن أكثر أهل العلم الخ‏)‏ وهو القول الراجح المنصور المعول عليه‏.‏

219- باب منه ‏(‏أيضاً‏)‏

293- حدثنا محمد بن يحيى النّيْسَابُورِيّ، أخبرنا عَمْرُو بن أبي سَلَمَةَ ‏(‏أبو حفص التنّيسى‏)‏ عن زُهَيْر بن محمدٍ عن هشامِ بن عُرْوَةَ عن أبِيهِ عن عائشةَ‏:‏ ‏"‏أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يُسَلّمُ في الصلاةِ تَسْلِيمَةً واحدةً تِلْقَاءَ وجههِ، يَمِيلُ إلى الشّقّ الأيْمَنِ شَيْئاً‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن سهلِ بن سعدٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وحديثُ عائشةَ لا نعرفُهُ مرفوعاً إلا من هذا الوجه‏.‏

قال محمدُ بنُ إسماعيل‏:‏ زُهَيْرُ بنُ محمدٍ أهْلُ الشّأْم يَرْوُونَ عنه مَنَاكِيرَ، وَرِوَايَةُ أهلِ العراقِ عنه أشْبَهُ ‏(‏وأصحّ‏)‏‏.‏

قال محمدٌ‏:‏ وقال أحمدُ بنُ حَنبل‏:‏ كَأَنّ زُهَيْرَ بنَ محمدٍ الذي كان وقعَ عندَهُم ليسَ هو ‏(‏هذا‏)‏ الذي يُرْوَى عنه بالعراقِ، كأنّهُ رجلٌ آخرُ، قَلَبُوا اسْمُهُ‏.‏

‏)‏ قال أبو عيسى‏)‏ وقد قالَ به بعضُ أهلِ العلمِ في التّسْلِيمِ في الصلاة‏:‏ وأصَحّ الرّوَايَاتِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم تَسْلِيمَتَينِ‏.‏ وعليه أكْثَرُ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ‏.‏

وَرَأَى قومٌ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم تَسْلِيمَةً واحدةً في المكتوبة‏.‏

قال الشافِعيّ‏:‏ إنْ شَاءَ سَلّمَ تسليمَةً واحدةً، وإنْ شَاءَ سَلّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن زهير بن محمد‏)‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ زهير بن محمد التيمي أبو المنذر سكن الشام ثم الحجاز ورواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف بسببها‏.‏ قال البخاري عن أحمد‏:‏ كان زهيراً الذي يروى عنه الشاميون آخر‏.‏ وقال أبو حاتم‏:‏ حدث بالشام من حفظه فكثر غلطله انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه‏)‏ فيه دلالة على مشروعية التسليمة الواحدة في الصلاة لكن الحديث ضعيف فإنه رواه عن زهير بن محمد عمرو بن أبي سلمة وهو شامي ورواية أهل الشام عنه ضعيفة‏.‏ وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح‏.‏ أما رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي يعين عن زهير بن محمد فبواطيل انتهى‏.‏ وقال في الفتح ذكر العقيلي وابن عبد البر كن حديث التسليمة الواحدة معلول، وبسط بن عبد البر الكلام على ذلك انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سهل بن سعد‏)‏ أخرجه ابن ماجه بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وفي إسناده عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، وقد قال البخاري إنه منكر الحديث، وقال النسائي متروك كذا في النيل‏.‏

وفي الباب أحاديث أخرى كلها ضعيفة ذكرها الزيلعي في نصب الراية مع بيان ضعفها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وحديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه‏)‏ والحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال على شرط الشيخين‏.‏ قال صاحب التنقيح‏:‏ وزهير بن محمد وإن كان من رجال الصحيحين لكن له مناكير‏.‏ وهذا الحديث منها‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ هو حديث منكر والحديث أصله الوقف على عائشة هكذا رواه الحفاظ انتهى‏.‏ وقال النووي في الخلاصة‏:‏ هو حديث ضعيف ولا يقبل تصحيح الحاكم له وليس في الاقتصار على تسليمة واحدة شيء ثابت انتهى، كذا في نصب الراية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ورواية أهل العراق أشبه‏)‏ أي رواية أهل العراق عن زهير بن محمد أشبه بالصواب والصحة ‏(‏كأن‏)‏ من الحروف المشبهة بالفعل ‏(‏والذي كان وقع عندهم‏)‏ أي عند أهل الشام ‏(‏ليس هو هذا الذي يروى عنه بالعراق‏)‏ أي يروى الناس عنه في العراق، فقوله يروى بصيغة المجهول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد قال به بعض أهل العلم في التسليم في الصلاة‏)‏ يعني قال بالتسليم الواحد في الصلاة‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ وذهب إلى أن المشروع تسليمة واحدة ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكرع وعائشة من الصحابة، والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز من التابعين، ومالك والأوزاعي والإمامية وأحد قولي الشافعي وغيرهم، قال والحق ما ذهب إليه الأولون يعني القائلين بالتسلمتين لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين وصحة بعضها وحسن بعضها واشتمالها على الزيادة، وكونها مثبتة بخلاف الأحاديث الواردة في التسليمة الواحدة، فإنها مع قلتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج، ولو سلم أنتهاضها لم تصللح لمعارضته أحاديث التسليمتين لما عرفت من اشتمالها على الزيادة انتهى كلام الشوكاني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال الشافعي إن شاء سلم تسليمة واحدة وإن شاء تسليمتين‏)‏ كذا قال الترمذي، وقال النووي في شرح مسلم تحت حديث سعد رضي الله عنه، قال‏:‏ كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره إلخ فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه يسن تسليمتان انتهى فكلام النووي، هذا خلاف ما حكاه الترمذي عن الشافعي‏.‏ فالظاهر أن للشافعي في هذه المسألة قولين‏.‏

220- باب ما جاء أنّ حذف السلام سنة

‏(‏باب ما جاء أن حذف السلام سنة‏)‏ قال ابن الأثين‏:‏ حذف السلام هو تخفيفه وترك الإطالة فيه، يدل عليه حديث النخعي التكبير جزم والسلام جزم فإنه إذا جزم السلام وقطعه فقد خففه وحذفه انتهى‏.‏

294- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ- أخبرنا عبدُ الله بنُ المباركِ و هِقْلُ بنُ زِيَادٍ عن الأوْزَاعِيّ عن قُرّةَ بن عبدِ الرحمَنِ عن الزّهْرِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيرةَ قال‏:‏ ‏"‏حَذْفُ السّلاَمِ سُنّةٌ‏"‏‏.‏

قال عليّ بنُ حُجْرٍ‏:‏ ‏(‏و‏)‏ قال ‏(‏عبد الله‏)‏ بن المُبَارَكِ‏:‏ يَعْنِي أنْ لاَ يَمُدّهُ مَدّا‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏ وهو الذي يَسْتَحِبّهُ أهلُ العلمِ‏.‏

وَرُوِيَ عن إبراهيمَ النّخَعِيّ أنه قال‏:‏ التكبيرُ جَزْمٌ، والسلامُ جَزْمٌ‏.‏ وهِقْلٌ ‏(‏يُقَالُ‏:‏ كانَ‏)‏ كاتبَ الأوْزَاعِيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والهقل بن زياد‏)‏ بكسر أوله وسكون القاف ثم لام قيل هو لقب واسمه محمد أو عبد الله وكان كاتب الأوزاعي ثقة كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حذف السلام بفتح الماء المهملة وسكون الذال المعجمة بعدها فاء هو ما نقل الترمذي عن ابن المبارك‏)‏ أي تمده مداً يعني يترك الإطالة في لفظه ويسرع فيه‏.‏ وقال ابن سيد الناس‏:‏ قال العلماء يستحب أن يدرج لفظ السلام ولا يمده مداً، لا أعلم في ذلك خلافاً بين العلماء انتهى ‏(‏سنة‏)‏ قال ابن سيد الناس‏:‏ وهذا مما يدخل في المسند عند أهل الحديث أو أكثرهم وفيه خلاف عند الأصوليين معروف انتهى‏.‏ ‏(‏وقال ابن المبارك يعني أن تمده مداً‏)‏ وقد أسند الحاكم عن أبي عبد الله أنه سئل عن حذف السلام فقال لا يمد، كذا في المقاصد الحسنة للسخاوي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود وابن خزيمة والحاكم‏.‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ وقال الدارقطني في العلل‏:‏ الصواب موقوف وهو من رواية قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف اختلف فيه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏التكبير جزم والسلام جزم‏)‏ أي لا يمدان ولا يعرب أواخر حروفهما بل يسكن فيقال الله أكبر السلام عليكم ورحمة الله والجزم القطع منه سمى جزم الإعراب وهو السكون كذا في النهاية لأبن الأثير الجزري وقال الحافظ في التلخيص، صفحة 84‏:‏ حذف السلام الإسراع به وهو المراد بقوله جزم، وأما ابن الأثير في النهاية فقال‏:‏ معناه أن التكبير والسلام لا يمدان ولا يعرب التكبير بل يسكن آخره، وتبعه المحب الطبري وهو مقتضى كلام الرافعي في الاستدلال به على أن التكبير جزم لا يمد‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وفيه نظر لأن استعمال لفظ الجزم في مقابل الإعراب اصطلاح حادث لأهل العربية، فكيف يحمل عليه الألفاظ النبوية انتهى ما في التلخيص‏.‏

تنبيه‏:‏

قال الرافعي في شرح الوجيز‏:‏ روى أنه روى أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ التكبير جزم والسلام جزم‏.‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي حكاه الترمذي عنه انتهى‏.‏ وقال السخاوي في المقاصد الحسنة‏:‏ حديث التكبير جزم لا أصل له في المرفوع مع وقوعه في كتبا الرافعي وإنما هو حق من قول إبراهيم النخعي حكاه الترمذي في جامعه، ومن جهته رواه سعيد بن منصور في سننه بزيادة‏:‏ والقراةء جزم والأذان جزم، وفي لفظ عنه كانوا يحزمون التكبير انتهى‏.‏

221- باب ما يقولُ إذا سلّمَ ‏(‏من الصلاة‏)‏

295- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا أبو معاوِيَةَ عن عاصِمٍ الأحْوَلِ عن عبد الله بنِ الحارِث عن عائشةَ قالت‏:‏ ‏"‏كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا سَلّمَ لاَ يَقْعُدُ إلاّ مِقدارَ ما يقُولُ اللّهُمّ أنْتَ السّلاَمُ، ومِنْكَ السّلاَمُ، تَبَارَكْتَ ذَا الجَلاَلِ والإكْرَام‏"‏‏.‏

296- حدثنا هَنّاد بن السّرى حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ ‏(‏الفزاريّ و أبو معاويةَ عن عاصمٍ الأحْوَلِ بهذا الإسنادِ نحْوَهُ، وقال‏:‏ ‏"‏تَبَارَكْتَ يَا ذا الجلالِ والإكْرَامِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي الباب عن ثَوْبَانَ وابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ وأبي سعيدٍ وأبي هريرةَ والمغيرةِ ابنِ شعبةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عائشَة حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

وقد روى خالد الحذّاء هذا الحديث من حديث عاشئة عن عبدالله بن الحارث‏:‏ نحو حديث عاصم‏.‏

وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقولُ بعد التسليمِ‏:‏ ‏"‏لا إلَهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحمدُ يُحْيي ويمِيتُ وهوَ على كُلّ شَيءِ قديرٌ، اللّهُمّ لا مانعَ لِمَا أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذا الجَدّ مِنْكَ الجَدّ‏"‏‏.‏

ورُوِيَ ‏(‏عن‏)‏ أنه كان يقولُ‏:‏ ‏"‏سُبْحَانَ رَبّكَ رَبّ العِزّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وسلامٌ على المرسَلِينَ، والحمدُ لله رَبّ العالَمِينَ‏"‏‏.‏

297- حدثنا أحمدُ بن محمد بن موسى، قال عبدالله بن المبارك أخبرنا الأوْزاعِيّ حدثني شَدّادٌ أبو عَمّارٍ حدثني أبو أسمَاء الرّحَبِيّ قال حدثني ثَوْبَانُ مولى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ أنْ يَنْصَرِفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ‏(‏الله‏)‏ ثَلاَثَ مَرّاتٍ ثُمّ قالَ‏:‏ ‏(‏اللهّم‏)‏ أنْتَ السّلاَمُ ومِنْكَ السّلاَمُ تَبَارَكْتَ يا ذا الجْلاَلِ الإكْرَامِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏أبو عيسى‏)‏ هذا حديثٌ ‏(‏حسَنٌ‏)‏ صحيحٌ‏.‏ وأبو عَمّارٍ اسْمُهُ شَدّادُ بنُ عبدِ الله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله بن الحارث‏)‏ البصري تابعي روى عن عائشة وأبي هريرة وعنه عاصم الأحول وغيره وثقه أبو زرعة والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول الخ‏)‏ أي في بعض الأحيان، فإنه قد ثبت قعوده صلى الله عليه وسلم بعد السلام أزيد من هذا المقدار ‏(‏اللهم أنت السلام‏)‏ هو من أسماء الله تعالى أي أنت السليم من المعائب والاَفات ومن كل نقص ‏(‏ومنك السلام‏)‏ هذا بمعنى السلامة أي أنت تعطي السلامة وتمنعها‏.‏ قال الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح‏:‏ وأما ما يزداد بعد قوله ومنك السلام وإليك يرجع السلام فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا دارك السلام فلا أصل له بل مختلق بعض القصاص، كذا في المرقاة ‏(‏تباركت‏)‏ من البركة وهي الكثرة والنماء أي تعاظمت إذا كيرت صفات الملك جلالك وكمالك ‏(‏ذا الجلال والإكرام‏)‏ أي يا ذا الجلال بحذف حرف النداء‏:‏ والجلال العظمة، والإكرام الإحسان ‏(‏وقال تباركت يا ذا الجلال والإكرام‏)‏ أي قال هناد في روايته يا ذا الجلال والإكرام بزيادة لفظ يا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ثوبان وابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة والمغيرة ابن شعبة‏)‏ أما حديث ثوبان فأخرجه الجماعة إلا البخاري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال اللهم أنت السلام منك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الخمسة وصححه الترمذي كذا في المنتقى‏.‏ قلت أخرجه الترمذي في الدعوات‏.‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه الشيخان قال‏:‏ كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير‏.‏

وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة قال‏:‏ قلنا لأبي سعيد هل حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كان يقوله بعد ما سلم‏:‏ قال نعم كان يقول‏:‏ سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين‏.‏ قال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات انتهى‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان قال‏:‏ إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العى الحديث‏.‏ وأما حديث المغيرة بن شعبة فأخرجه الشيخان بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عائشة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول بعد التسليم لا إله إلا الله إلخ‏)‏ أخرجه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة بدون لفظ يحيى ويميت قال الحافظ في الفتح‏:‏ زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة‏:‏ يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير إلى قدير، ورواته موثقون، وثبت مثه عند البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح لكن في القول إذا أصبح وإداء أمسى انتهى ‏(‏لا ينفع ذا الجد منك الجد‏)‏ بفتح الجيم في اللفظين أي لا ينفع صاحب الغنى منك غناه وإنما ينفعه العمل الصالح‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال الخطابي الجد الغنى ويقال الحظ قال‏:‏ ومن في قوله منك بمعنى البدل قال الشاعر‏:‏

فليت لنا من ماء زمزم شربة *** مبردة باتت على الظمآن

يريد ليت لنا بدل ما زمزم انتهى‏.‏ وفي الصحاح معنى منك هنا، عندك أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح‏.‏ وقال ابن التين‏:‏ الصحيح عندي أنها ليست بمعنى البدل ولا عند بل هو كما تقول ولا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء، ولم يظهر من كلامه معنى، ومقتضاه أنها بمعنى عند أوفيه حذف تقديره من قضائي أو سطوتي أو عذابي‏.‏ واختار الشيخ جمال الدين في المغنى الأول، قال‏.‏ والجد مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم ومعناه الغنى أو الحظ‏.‏ وقال النووي‏:‏ الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان، والمعنى لا ينجيه حظه منك وإنما ينجيه فضلك ورحمتك انتهى كلام الحافظ ملخصاً‏.‏

قلت‏:‏ فالجد بفتح الجيم الراجح المعول عليه، وأما الجد بكسر الجيم فقد حكى عن أبي عمر والشيباني أنه رواه بالكسر قال القرطبي ولا يستقيم معناه هنا إلا بتكليف، قيل معناه لا ينفع ذا الاجتهاد وأنكره الطبري‏.‏ وقال القزاز في توجيه إنكاره الاجتهاد في العمل نافع لأن الله تعالى قد دعا الخلق إلى ذلك فكيف لا ينفع عنده قال‏:‏ فيحتمل أن يكون المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الاَخرة، وقيل لعل المراد أنه لا ينفع بمجرده مالم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل ورحمته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروى أنه كان يقول سبحان ربك إلخ‏)‏ أخرجه أبو يعلى كما عرفت ‏(‏رب العزة‏)‏ أي الغلبة بدل من ربك ‏(‏عما يصفون‏)‏ بأن له ولداً ‏(‏وسلام على المرسلين‏)‏ أي المبلغين عن الله التوحيد والشرائع ‏(‏والحمد لله رب العالمين‏)‏ على نصرهم وهلاك الكافرين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا شداد أبو عمار‏)‏ هو شداد بن عبد الله القرشي الدمشقي ثقة ‏(‏قال حدثني أبو أسماء الرحبي‏)‏ اسمه عمر بن مرثد ويقال اسمه عبد الله من الثالثة مات في خلافه عبد الملك كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا أراد أن ينصرف من صلاته‏)‏ وفي رواية مسلم إذا انصرف من صلاته‏.‏ قال النووي‏:‏ المراد بالانصراف السلام ‏(‏استغفر ثلاث مرات‏)‏ قال مسلم في صحيحه بعد رواية هذا الحديث‏:‏ قال الوليد فقلت للأوزاعي كيف الاستغفار‏؟‏ قال يقول‏:‏ أستغفر الله أستغفر الله، وقد استشكل استغفاره صلى الله عليه وسلم مع أنه مغفور له‏.‏ قال ابن سيد الناس‏:‏ هو وفا ء بحق العبودية وقيام بوظيفة الشكر، كما قال‏:‏ أفلا أكون عبداً شكوراً، وليبين للمؤمنين سنته فعلاً كما بينها قولاً في الدعاء والضراعة، ليقتدي به في ذلك انتهى ‏(‏أنت السلام‏)‏ وفي رواية غير التمرمذي اللهم أنت السلام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا البخاري‏.‏

فائدة‏:‏

قال الحافظ بن القيم في زاد المعاد‏:‏ وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم أصلاً، ولا روى عنه بإسناد صحيح ولا حسن‏.‏ وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضاً من السنة بعدهما والله أعلم‏.‏ وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها، وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة، وزاد ذلك الموقف بين يديه والقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأل إذا انصرف عنه، ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلى، إلا أن ههنا نكتة لطيفة وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة استحب له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ويدعو ما شاء يكون دعاءه عقيب هذه العبادة الثانية لا لكونه دبر الصلاة، فإن كل من ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم استجيب له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فضالة بن عبيد‏:‏ إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث صحيح، انتهى كلام ابن القيم وتعقبه الحافظ بن حجر كما نقله القسطلاني في المواهب بقوله‏:‏ ما ادعاه من النفي مطلقاً مردود فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ يا معاذ والله إني لأحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن نقول اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك‏.‏ أخرجه أبو داود النسائي، وحديث زيد بن أرقم‏:‏ سمعته صلى الله عليه وسلم يدعو في دبر الصلاة اللهم ربنا ورب كل شيء‏.‏ أخرجه أبو داود والنسائي، وحديث صهيب رفعه‏.‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من الصلاة يقول‏:‏ اللهم أصلح لي ديني الحديث‏.‏ أخرجه النسائي وصححه ابن حبان وغير ذلك‏.‏

فإن قيل‏:‏ المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد‏.‏

قلت‏:‏ قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة والمراد به بعد السلام إجماعاً، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه‏.‏ وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قيل‏:‏ أي الدعاء أسمع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات‏.‏ وأخرج الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق قال‏:‏ الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة‏.‏

وفهم كثير من الحنابلة أن مراد القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقاً، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار المصلى القبلة وإيراده عقب السلام، وأما إذا نفل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ انتهى كلامه‏.‏

قلت‏:‏ لا ريب في ثبوت الدعاء بعد الانصراف من الصلاة المكتوبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، وقد ذكره الحافظ بن القيم أيضاً في زاد المعاد حيث قال في فصل‏:‏ ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد انصرافه من الصلاة ما لفظه‏:‏ وقد ذكر أبو حاتم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند إنصرافه من صلاته اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري، واصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد‏.‏ وذكر الحاكم في مستدركه عن أبي أيوب أنه اللهم اغفر خطاياي وذنوبي كلها، اللهم ابعثني واحيني وارزقني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف إلا أنت‏.‏ وذكر ابن حبان في صحيحه عن الحارث بن مسلم التميمي قال‏:‏ قال لي النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك من مت من يومك كتب الله لك جواراً من النار، وإذ صليت المغرب قبل أن تتكلم‏:‏ اللهم أجرني من النار سبع مرات، فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جواراً من النار‏.‏ انتهى كلام ابن القيم‏.‏

فقوله‏:‏ أما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم لا أدري ما معناه وما مراده بهذا إلا أن يقال‏:‏ نفاه بقيد استمرار المصلى القبلة وإيراده عقب السلام كما قال الحافظ والله تعالى أعلم‏.‏

فائدة‏:‏

اعلم أن علماء أهل الحديث قد اختلفوا في هذا الزمان في أن الإمام إذا انصرف من الصلاة المكتوبة هل يجوز له أن يدعو رافعاً يديه ويؤمن من خلفه من المأمومين رافعي أيديهم فقال بعضهم بالجواز، وقال بعضهم بعدم طناً منهم أنه بدعة، قالوا إن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح بل هو أمر محدث وكل محدث بدعة وأما القائلون بالجواز فاستدلوا بخمسة أحاديث‏.‏

الأول‏:‏ حديث أبي هريرة‏.‏ قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ص271 ج 3‏:‏ قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو معمر المقري حدثني عبد الوارث حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه بعدما سلم وهو مستقبل القبلة فقال‏:‏ اللهم خلص الوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً من أيدي الكفار‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا المثنى حدثنا حجاج حدثنا حماد عن علي بن زيد عن عبد الله أو إبراهيم بن عبد الله القرشي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دبر صلاة الظهر‏:‏ اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وضعفه المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً‏.‏ ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم انتهى ما في تفسير ابن كثير‏.‏

قلت‏:‏ وفي سند هذا الحديث علي بن زيد بن جدعان وهو متكلم فيه‏.‏

الحديث الثاني‏:‏ حديث عبد الله بن الزبير، ذكر السيوطي في رسالته فض الوعاء عن محمد بن يحيى الأسلمي قال‏:‏ رأيت عبد الله بن الزبير ورأى رجلاً رافعاً يديه قبل أن يفرغ من صلاته فلما فرغ منها قال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته‏.‏ قال رجاله ثقات‏.‏

قلت‏:‏ وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رواه الطبراني وترجم له فقال محمد بن يحيى الأسلمي عن عبد الله بن الزبير ورجاله ثقات انتهى‏.‏

الحديث الثالث‏:‏ حديث أنس أخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني في كتابه عمل اليوم والليلة قال‏:‏ حدثني أحمد بن الحسن حدثنا أبو إسحاق يعقوب بن خالد بن يزيد البالسي حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي عن خصيف عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ما من عبد بسط كفيه في دبر كل صلاة ثم يقول اللهم إلهي وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإله جبريل وميكائيل وإسرافيل أسألك أن تستجيب دعوتي فإني مضطر وتعصمني في ديني فإني مبتلي وتنالني برحمتك فإني مذنب وتنفي عني الفقر فإني متمسكن إلا كان حقاً على الله عز وجل أن لا يرد يديه خائبتين‏.‏

‏"‏قلت‏:‏ في سنده عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي‏.‏ قال في الميزان‏:‏ اتهمه أحمد، وقال بن حبان‏:‏ كتبنا عن عمر بن سنان عن إسحاق بن خالد عنه نسخة ثبتها بمائة حديث مقلوبة منها ما لا أصل له ومنها ما هو ملزق بإنسان لا يحل الاحتجاج به بحال‏.‏ وقال النسائي وغيره‏:‏ ليس بثقة، وضرب أحمد بن حنبل على حديثه انتهى‏.‏

الحديث الرابع‏:‏ حديث الأسود العامري عن أبيه قال‏:‏ صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فما سلم انحرف ورفع يديه ودعا الحديث رواه ابن أبي شيبة في مصنفه كذا ذكر بعض الأعلام هذا الحديث بغير سند وعزاه إلى المصنف ولم أقف على سنده فالله تعالى أعلم كيف هو صحيح أو ضعيف‏.‏

الحديث الخامس‏:‏ حديث الفضل بن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن ثن تقنع يديك، يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلاً ببطونهما وجهك وتقول يا رب يا رب، ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا، وفي رواية‏:‏ فهو خداج‏.‏ رواه الترمذي‏:‏

واستدلوا‏:‏ أيضاً بعموم أحاديث رفع اليدين في الدعاء قالوا‏:‏ إن الدعاء بعد الصلاة المكتوبة مستحب مرغب فيه، وأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء بعد الصلاة المكتوبة وأن رفع اليدين من آداب الدعاء، وأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في كثير من الدعاء‏.‏ وأنه لم يثبت المنع عن رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة، بل جاء في ثبوته الأحاديث الضعاف، قالوا فبعد ثبوت هذه الأمور الأربعة وعدم ثبوت المنع لا يكون رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة بدعة سيئة بل هو جائز لا بأس على من يفعله‏.‏

أما الأول والثاني فقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قيل‏:‏ يا رسول الله أي الدعاء أسمع‏؟‏ قال‏:‏ جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات‏.‏ وقال هذا حديث حسن‏.‏ وأخرج النسائي في سننه عن عطاء بن مروان عن أبيه أن كعباً حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى إنا لنجد في التوراة أن داود نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته قال اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، الحديث وفي آخره قال وحدثين كعب أن صهيباً حدثه أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يقولهن عند إنصرافه من صلاته والحديث صححه ابن حبان كما في فتح الباري وقد تقدم في كلام ابن القيم حديث أبي أيوب وحديث الحارث بن مسلم في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة‏.‏ وأما الثالث والرابع فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه من حديث سلمان رفعه ‏"‏إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً‏"‏ بكسر المهملة وسكون الفاء أي خالية‏.‏ قال الحافظ سنده جيد‏.‏ وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطمعه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، فأني بستجاب، لذلك‏"‏‏.‏ وقال الحافظ في الفتح‏:‏ فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء سرد منها النووي في الأذكار وفي شرح المهذب جملة وعقد لها البخاري أيضاً في الأدب المفرد باباً ذكر فيه حديث أبي هريرة‏:‏ قدم الطفيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن دوساً عصت فادع الله عليها، فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال‏:‏ اللهم اهد دوساً‏:‏ وهو في الصحيحين دون قوله‏:‏ ورفع يديه‏.‏ وحديث جابر أن الطفيل بن عمر وهاجر فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم ولينيه فاغفر، ورفع يديه، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم‏.‏ وحديث عائشة أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو رافعاً يديه يقول‏:‏ اللهم إنما بشر الحديث، وهو صحيح الإسناد ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه المصنف يعني البخاري في جزء رفع اليدين‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه يدعو لعثمان‏.‏ ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف‏:‏ فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو رافع يديه يدعو‏.‏ وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضاً‏:‏ ثم رفع يديه وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع فرفع يديه ثلاث مرات الحديث‏.‏ ومن حديث أبي هريرة الطويل في فتح مكة‏:‏ فرفع يديه وجعل يدعو‏.‏ وفي الصحيحين من حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية‏:‏ ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه يقول‏:‏ اللهم هل بلغت‏.‏ ومن حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قول إبراهيم وعيسى فرفع يديه وقال اللهم أمتى‏.‏ وفي حديث عمر‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فأنزل الله عليه يوماً ثم سرى عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه فدعا، الحديث‏.‏ أخرجه الترمذي واللفظ له والنسائي والحاكم‏.‏ وفي حديث أسامة‏:‏ كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فرفع يديه يدعو فمات به ناقته فسقط خطامها فتناوله بيده وهو رافع اليد الأخرى، أخرجه النسائي بسند جيد‏.‏ وفي حديث قيس بن سعد عند أبي داود‏:‏ ثم رفع رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول‏:‏ اللهم صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة، الحديث، وسنده جيد‏.‏ والأحاديث في ذلك كثيرة انتهى كلام الحافظ‏.‏

قلت‏:‏ وفي رفع اليدين في الدعاء رسالة للسيوطي سماها فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء‏.‏

واستدلوا أيضاً بحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال‏:‏ يا رسول الله هكلت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون، الحديث، رواه البخاري‏.‏ قالوا هذا الرفع هكذا وإن كان في دعاء الاستسقاء، لكنه ليس مختصاً به، ولذلك استدل البخاري في كتاب الدعوات بهذا الحديث على جواز رفع اليدين في مطلبق الدعاء‏.‏

قلت‏:‏ القول الراجح عندي أن رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة جائز لو فعله أحد لا بأس عليه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم‏.‏

تنبيه‏:‏

إعلم أن الحنفية في هذا الزمان يواظبون على رفع اليدين في الدعاء بعد كل مكتوبة مواظبة الواجب، فكأنهم يرونه واجباً، ولذلك ينكرون على من سلم من الصلاة المكتوبة وقال‏:‏ اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم قالم ولم يدع يرفع يديه‏.‏ وصنيعهم هذا مخالف لقول إمامهم الإمام أبي حنيفة، وأيضاً مخالف لما في كتبهم المعتبرة، قال العيني في عمدة القاري‏:‏ قال أبو حنيفة‏:‏ كل صلاة يتنفل بعدها يقوم، ما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح فهو مخير، وهو قول أبي مجلز لا حق ابن حميد انتهى، وقال في البحر الرائق‏:‏ ولم يذكر المصنف ما يفعله بعد السلام، وقد قالوا إن كان إماماً وكانت صلاة يتنفل بعدها بإنه يقوم ويتحول عن مكانه إما يمنة أو يسرة أو خلفه والجلوس مستقبلاً بدعة، وإن كان لا يتنفل بعدها يقعد مكانه وإن شاء انحرف يميناً أو شمالاً وإن شاء استقبلهم بوجهه انتهى‏.‏ وقال في العالم كيرية‏.‏ وإذا سلم الإمام من الظهر والمغرب كره له المكث قاعداً، لكنه يقوم إلى التطوع ولا يتطوع في مكان الفريضة، ولكن ينحرف يمنة أو يسرة أو يتأخر، وإن شاء رجع إلى بيته، يتطوع فيه وإن كان مقتدياً، أو يصلي وحده إن لبث في مصلاه يدعو جاز، وكذا إن قام إلى التطوع في مكانه أو تأخر أو انحرف يمنة أو يسرة جاز والكل سواء‏.‏ وفي صلاة لا تطوع بعدها كالفجر والعصر يكره المكث قاعداً في مكانه مستقبل القبلة، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى هذا بدعة، ثم هو بالخيار إن شاء ذهب وإن شاء جلس في محرابه إلى طلوع الشمس وهو أفضل، ويستقبل القوم بوجهه إذا لم يكن بحذائه مسبوق، فإن كان، ينحرف يمنة أو يسرة، والصيف والشتاء سواء هو الصحيح كذا في الخلاصة انتهى‏.‏

222- باب ما جاءَ في الانصراف عن يَمِينهِ وعن شماله

298- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا أبو الأحْوَصِ عن سِمَاكِ بن حربٍ عن قَبِيصَةَ بنِ هُلْب عن أبيهِ قال‏:‏ ‏"‏كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَؤمّنَا فَيَنْصَرِفُ على جانِبَيْهِ جميعاً عَلَى يَمِينِهِ وعَلَى شِمالِهِ‏"‏‏.‏

وفي الباب‏:‏ عن عبد الله بن مسعود وأنسٍ وعبدِ الله بن عَمْرٍو ‏(‏وأَبِي هُرَيْرَةَ‏)‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ هُلْبٍ حديثٌ حسَنٌ‏.‏

عليه العمل عندَ أهلِ العلمِ‏:‏ أنه يَنْصَرِفُ على أيّ جَانِبَيْهِ شاءَ، إنْ شاءَ عن يمِينِهِ، وإن شاءَ عن يسارِهِ‏.‏

وقد صَحّ الأمْرَانِ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

ويُرْوَى عن عليّ ‏(‏بنِ أبي طالِبٍ‏)‏ أنه قال‏:‏ إنْ كانت حاجتُهُ عن يمِينِهِ أخَذَ عن يمينِهِ، وإنْ كانتْ حاجتُهُ عن يسارِهِ أخَذَ عن يسارِهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏"‏فينصرف على جانبيه جميعاً‏"‏ وفي رواية أبي داود‏:‏ فكان ينصرف عن شقيه ‏(‏على يمينه وعلى شماله‏)‏ بيان لقوله على جانبيه أي حيناً على يمينه وحيناً على شماله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأنس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة‏)‏ أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الجماعة إلا الترمذي قال‏:‏ لا يجعلن أحدكم للشيطان شيئاً من صلاته يرى أن حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ينصرف عن يساره، وفي لفظ‏:‏ أكثر إنصرافه عن يساره‏.‏ وأما حديث أنس فأخرجه مسلم والنسائي قال‏:‏ أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه ابن ماجه قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فلم أقف على من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث هلب حديث حسن‏)‏ وصححه ابن عبد البر في الاستيعاب وذكره عبد الباقي بن قانع في معجمه من طرق متعددة وفي إسناده قبيصة بن هلب وقد رماه بعضهم بالجهالة، ولكنه وثقه العجلي وابن حبان، ومن عرفه حجة على من لم يعرف، كذا في النيل‏.‏ والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد صح الأمران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ ففي حديث عبد الله بن مسعود المذكور‏:‏ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ينصرف عن يساره‏.‏ وفي حديث أنس المذكور أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه‏.‏

فإن قلت‏:‏ قد استعمل كل واحد منهما صيغة أفعل التفضيل فظاهر قول أحدهما ينافي ظاهر قول الاَخر، فما وجه التوفيق‏؟‏

قلت‏:‏ قال النووي‏:‏ يجمع بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كل منهما بما اعتقد أنه الأكثر‏.‏ وقال الحافظ‏:‏ ويمكن الجمع بينهما بوجه آخر وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد، لأن حجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت من جهة يساره، ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر، ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود لأنه أعلم وأسن وأجل وأكثر ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم وأقرب إلى مواقفه في الصلاة من أنس، وبأن في إسناد أنس من تكلم فيه وهو السدى، وبأن حديث ابن مسعود متفق عليه، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال، لأن حجرة النبي صلى الله عليه وسلم كان على جهة يساره انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قال‏:‏ إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه إلخ‏.‏‏)‏ أخرجه ابن أبي شيبة ولفظه‏:‏ قال إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجة فكانت حاجتك عن يمينك أو عن يسارك فخذ نحو حاجتك انتهى‏.‏ قال في النيل‏:‏ قال العلماء‏:‏ يستحب الإنصراف إلى جهة حاجته، لكن قالوا إذا استوت الجهتان في حقه فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل التيامن انتهى‏.‏